23 سبتمبر, 2008

أيام الخلق الستة


اليوم الأول
كانت نبتات الشوك محاطة بنا، تجمعت في كرات فارغة تدور مع الريح في المكان وصوت تدحرجها علي الأرض الرملية يشعرنا بالوحشة و الوحدة، أدمت أيدينا ونحن نزيلها، كانت تندفع تحونا، تصطدم بأرجلنا، تنغرس في لحمنا، تدمينا وتؤلمنا...
لم نتحدث..أمضينا يومنا صامتين وكأننا خرس.
تخلصنا من كل الشوك...وبقي في الوسط "خيال المآتة" بوجه غائب بلا ملامح...وشكل كئيب، ربما لم يبق غيره لنزيله بعدما أزلنا كل الأشواك، وكان علينا أن نفعل ذلك في اليوم الثاني.

اليوم الثاني
احترنا من يلمس فزاع الطير(خيال المآتة)...ملك الأشواك.
قلنا نرجمه، لم يسقط..
قلنا نجلده، لم يسقط.
لم يبقي إلا أن نلقي بحبل من حوله ثم نجذبه من الطرفين فيسقط، ولكن من أين لنا بالحبل؟!، خرج علينا أحدنا بأمر مذهل، شق ثيابه وضفرها..فهمنا فضحكنا..أول مرة نسمع صوت صادر منا...ومن قمصاننا صنعنا الحبل وجذبنا الطرفين...لحظة سقوطه أدركنا أن الفزاع غير مفزع، عندما هوي خيال المآتة انكسر الرأس إلي شطرين ومن بينهما طفر الدود.

اليوم الثالث
خلت الساحة من الفزاع والأشواك.
وبقي الرمل والأحجار والماء ونحن، ورسم/بنيان في الصدور لم يُخط علي الأرض بعد.
وشرعنا في البناء.

اليوم الرابع
كنا نتنفس فرحاً...في اليوم الرابع نحفر لأساس البنيان، نضرب بجذوره في عمق الأرض، الباحة في وسط المبني، فراغاً وسط الجدران الصماء، وفوق البوابة كتبنا "مجتمعاً لعموم الناس"، وأحطنا الباحة بالأشجار فكان الظل مباحاً للكل، وفي الوسط بئراً، فرأينا رجلاً يسقي طفلاً وامرأةً وشيخً عجوز، وحقولاً يملؤها القمح، يُصنع منه خبزاً يسند قلوب الجياع.


اليوم الخامس
أثناء البناء كنا نلحظ ذلك النقص، وكان رفيقي شاعراً يبني معنا، لاحظ أيضاً ما لاحظته، سأل الأخرين..لم يجبه أحد، وظل النقص واضحاً.

اليوم السادس
اليوم الأخير...البنيان ناقص، ذهبت إلي الشاعر، غاضباً كان، ينظر للجزء الناقص من البنيان ويزفر، ذهب للباقين يسألهم إكمال البناء، يسألهم عن سر النقص...هل هذا في الرسم؟!
ولكن أحداً لم ير الرسم..منذ البداية والرسم في الصدور.
نظر إليه البعض وابتسموا، ربت علي كتفه أخرون.
شرع يدور ويسأل، ويدور ويسأل ولكن لم يجبه أحد.
عبروا البوابة وانتشروا في الداخل، اختار كل منهم ركناً وامتزج به.
ذهبوا جميعاً ولم يبق غيرنا..أنا..والشاعر.
في اليوم التالي، مضي مبتعداً...غني وحده حزيناً.
بقيت قليلاً بجوار البناء...وبعد مشيت.
ودون هدي ابتعدت..
ولا أدري لأين...

22/9/2005